ما هو التحكيم التجاري؟
يلجأ رجال الأعمال والشركات إلى التحكيم التجاري في السعودية بشكل متزايد. فهو يوفر لهم حلًا سريعًا وسريًا لمنازعاتهم. كما يمنحهم مرونة في اختيار المحكمين والإجراءات، على عكس التقاضي أمام المحاكم التجارية التقليدية.
وتولي المملكة العربية السعودية اهتمامًا كبيرًا بتطوير منظومة التحكيم لديها. فهذا يتماشى مع رؤية المملكة 2030، ويخدم هدفها في أن تصبح مركزًا إقليميًا جاذبًا للاستثمار وتسوية المنازعات التجارية. في هذا المقال، نستعرض معكم أبرز أحكام نظام التحكيم السعودي. ونوضح شروط صحة اتفاق التحكيم، وإجراءاته، وطرق الطعن على أحكامه. وسنكتب بأسلوب مبسط يفيد كل من يبحث عن فهم هذا الموضوع، سواء كان صاحب عمل أو مستثمرًا أو طرفًا في نزاع تجاري قائم
التحكيم وسيلة نظامية لفض المنازعات خارج أروقة القضاء الرسمي. ويتفق بموجبها طرفا النزاع على إحالة كل أو بعض المسائل الخلافية بينهما إلى طرف ثالث محايد، يُسمى “المحكم” أو “هيئة التحكيم”. ويفصل هذا الطرف في النزاع بحكم ملزم للطرفين، بدلًا من اللجوء إلى المحكمة المختصة
ويشترط النظام في اتفاق التحكيم أمرين: أن يكون بين طرفين أو أكثر، وأن يتمتع هذان الطرفان بأهلية التصرف في حقوقهما. وقد يأخذ الاتفاق صورة “شرط تحكيم” يُدرجه الأطراف ضمن بنود العقد الأصلي. أو قد يأخذ صورة “مشارطة تحكيم” مستقلة، يبرمها الطرفان بعد نشوء النزاع.
الإطار النظامي: نظام التحكيم السعودي ولائحته التنفيذية
يعكس نظام التحكيم السعودي ولائحته التنفيذية الإطار النظامي المنظم لإجراءات التحكيم وتسوية المنازعات في المملكة العربية السعودية
يستند التحكيم في المملكة العربية السعودية إلى نظام التحكيم ولائحته التنفيذية، اللذين ينظمان جميع مراحل عملية التحكيم بدءًا من إبرام اتفاق التحكيم، مرورًا بتشكيل هيئة التحكيم وإدارة الإجراءات، ووصولًا إلى إصدار حكم التحكيم وتنفيذه وفق الضوابط النظامية المعمول بها. ويهدف هذا الإطار النظامي إلى توفير وسيلة فعالة وعادلة لتسوية المنازعات، مع ضمان احترام حقوق الأطراف وتحقيق التوازن بين سرعة الفصل في النزاع والالتزام بالإجراءات النظامية، بما يعزز الثقة في التحكيم كوسيلة بديلة لتسوية المنازعات داخل المملكة العربية السعودية
صدور النظام والمرسوم الملكي
أصدر المُنظّم السعودي نظام التحكيم الساري حاليًا بموجب المرسوم الملكي رقم (م/34) وتاريخ 24/5/1433هـ الموافق 16 أبريل 2012م وقد حل هذا النظام محل نظام التحكيم القديم الصادر عام 1403هـ. واستلهم المُنظّم هذا النظام من القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي (الأونسيترال) لكنه راعى في الوقت ذاته أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام في المملكة.
كما أصدرت الجهات المختصة اللائحة التنفيذية لنظام التحكيم لاحقًا. وتوضح هذه اللائحة الجوانب الإجرائية التفصيلية التي لم يتطرق إليها النظام بشكل مباشر. فهي تحدد، مثلًا، آلية تقديم طلب التحكيم، وبيانات المستندات المطلوبة وطرق الإبلاغ الإلكتروني
أبرز التعديلات على النظام
خضع نظام التحكيم لبعض التعديلات بعد صدوره. وطال أبرز هذه التعديلات المادة العاشرة منه، وكذلك أحد أحكام المادة الخمسين المتعلقة بحالات بطلان حكم التحكيم. وقد جاء هذا ضمن مرسوم ملكي شمل تعديلات على عدد من الأنظمة ذات الصلة. لذلك، ننصحكم دائمًا بالتحقق من آخر نسخة سارية للنظام عند الاستناد إليه في أي نزاع قائم. فقد تصدر الجهات المختصة تعديلات لاحقة في أي وقت
كيفية صياغة اتفاق التحكيم التجاري بشكل صحيح
يُعد اتفاق التحكيم حجر الأساس الذي تُبنى عليه صحة إجراءات التحكيم بأكملها. لذلك، يجب أن تتوخوا الدقة عند صياغته. ويشترط النظام أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبًا. ويستوي في ذلك أن يضمّنه الأطراف كشرط ضمن العقد الأصلي، أو يبرموه كمشارطة مستقلة بعد نشوء النزاع، أو حتى أن يحيلوا بشكل واضح إلى وثيقة أخرى، كعقد نموذجي أو اتفاقية دولية، تتضمن شرط تحكيم
متى يجوز اللجوء إلى التحكيم التجاري في السعودية؟
حدد نظام التحكيم السعودي ضوابط واضحة لمن يجوز له اللجوء إلى التحكيم:
- الأهلية النظامية: لا يصح اتفاق التحكيم إلا ممن يملك أهلية التصرف في حقوقه. وينطبق هذا الشرط سواء كان الطرف شخصًا طبيعيًا، أو من يمثله، أو شخصًا اعتباريًا كالشركات والمؤسسات.
- الجهات الحكومية: لا يجوز للجهات الحكومية الاتفاق على التحكيم كوسيلة لفض منازعاتها. ويشترط النظام أن تحصل هذه الجهات أولًا على موافقة رئيس مجلس الوزراء، ما لم يرد نص نظامي خاص يجيز التحكيم دون هذه الموافقة (كبعض الأنظمة الخاصة بالمنافسات والمشتريات الحكومية). ويهدف هذا القيد إلى حماية المال العام. كما يضمن رقابة مسبقة على قرار اللجوء إلى التحكيم في العقود الحكومية.
- المسائل غير القابلة للتحكيم: يستثني النظام من التحكيم المسائل التي لا يجوز فيها الصلح. ومن أمثلتها قضايا الأحوال الشخصية، كالزواج والطلاق والنسب. كما يستثني بعض المسائل التي يحددها النظام العام في المملكة.
ملاحظة مهمة: قد يختلف تحديد قابلية نزاع معين للتحكيم باختلاف طبيعة العقد والجهة المتعاقدة. لذلك، نفضّل دائمًا أن تستشيروا محاميًا مختصًا قبل صياغة أي شرط تحكيم، أو الشروع في إجراءات التحكيم.
عناصر يُنصح بتضمينها في شرط التحكيم
- حددوا نطاق المنازعات الخاضعة للتحكيم بوضوح.
- حددوا عدد المحكمين وآلية اختيارهم.
- حددوا مقر التحكيم واللغة المستخدمة في الإجراءات.
- حددوا القانون أو النظام واجب التطبيق على موضوع النزاع.
- حددوا نوع التحكيم: هل هو مؤسسي عبر مركز تحكيم معتمد، أم حر يديره الأطراف بأنفسهم
تشكيل هيئة التحكيم في النظام السعودي
نص نظام التحكيم على أن تتشكل هيئة التحكيم من محكم واحد أو أكثر، بشرط أن يكون العدد فرديًا. وإلا وقع التحكيم باطلًا. واشترط النظام في المحكم أمورًا عدة: أن يكون كامل الأهلية، وحسن السيرة والسلوك، وحاصلًا على الأقل على شهادة جامعية في العلوم الشرعية أو النظامية. وإذا تشكلت هيئة التحكيم من أكثر من محكم واحد، اكتفى النظام بتوافر هذا الشرط الأخير في رئيس الهيئة فقط.
وفيما يخص آلية الاختيار، يترك النظام للأطراف حرية الاتفاق على اختيار المحكمين. فإذا لم يتفقا، وتشكلت هيئة التحكيم من ثلاثة محكمين، اختار كل طرف محكمًا عنه. ثم يتفق المحكمان على اختيار المحكم الثالث، الذي يتولى رئاسة الهيئة. وإذا تعذر الاتفاق خلال المدد التي حددها النظام، تتولى المحكمة المختصة اختيار المحكم بناءً على طلب من يهمه التعجيل
الجهة القضائية المختصة بمسائل التحكيم
حدد نظام التحكيم أن الاختصاص بنظر دعوى بطلان حكم التحكيم، وكذلك المسائل الأخرى التي يُحيلها النظام إلى “المحكمة المختصة”، يعقد لـمحكمة الاستئناف المختصة أصلًا بنظر النزاع (والمقصود بها دوائر الاستئناف بالمحكمة التجارية في المنازعات ذات الطبيعة التجارية). أما إذا كان التحكيم تجاريًا دوليًا، سواء جرى داخل المملكة أو خارجها، فينعقد الاختصاص لمحكمة الاستئناف بمدينة الرياض. ويستثنى من ذلك أن يتفق طرفا التحكيم على محكمة استئناف أخرى داخل المملكة.
حجية حكم التحكيم وطرق الطعن عليه
عدم جواز الاستئناف العادي
دعوى بطلان حكم التحكيم: الحالات والمواعيد
حصر نظام التحكيم حالات قبول دعوى البطلان في حالات محددة على سبيل الحصر. ومن أبرزها:
- عدم وجود اتفاق تحكيم أصلًا، أو بطلانه، أو قابليته للإبطال، أو سقوطه بانتهاء مدته.
- فقد أحد طرفي اتفاق التحكيم للأهلية وقت إبرامه، أو نقص أهليته وفقًا للنظام الذي يحكمها.
- عدم تمكن أحد الطرفين من تقديم دفاعه، بسبب عدم إبلاغه إبلاغًا صحيحًا بتعيين المحكم أو بإجراءات التحكيم.
- استبعاد هيئة التحكيم تطبيق ما اتفق عليه الطرفان بشأن القانون واجب التطبيق على موضوع النزاع.
- مخالفة تشكيل هيئة التحكيم أو تعيين المحكمين للنظام أو لاتفاق الطرفين.
- فصل حكم التحكيم في مسائل لا يشملها اتفاق التحكيم، أو تجاوزه حدود هذا الاتفاق.
- إخلال هيئة التحكيم بالشروط الواجب توافرها في الحكم على نحو أثّر في مضمونه، أو استنادها إلى إجراءات باطلة أثرت فيه.
كما تملك المحكمة المختصة صلاحية أخرى: فلها أن تحكم ببطلان حكم التحكيم من تلقاء نفسها في حالات معينة. من أبرزها مخالفة الحكم لأحكام الشريعة الإسلامية أو النظام العام في المملكة، أو تعلقه بمسائل لا يجوز التحكيم فيها.
أما بخصوص المواعيد، فقد حدد النظام أن يرفع أي من طرفي التحكيم دعوى البطلان خلال الستين يومًا التالية لتاريخ إبلاغه بالحكم. ولا يمنع تنازل مدعي البطلان عن حقه في رفعها، إن كان ذلك قبل صدور الحكم، من قبول الدعوى لاحقًا. وإذا حكمت المحكمة المختصة بتأييد حكم التحكيم، وجب عليها أن تأمر بتنفيذه. ويكون حكمها في ذلك غير قابل للطعن بأي طريق من طرق الطعن. أما إذا حكمت ببطلان حكم التحكيم، فيجوز لصاحب الشأن أن يطعن على حكمها أمام المحكمة العليا، خلال ثلاثين يومًا من اليوم التالي لتاريخ التبليغ به.
تنفيذ أحكام التحكيم في المملكة
مزايا التحكيم التجاري مقارنة بالتقاضي أمام المحاكم
يفضل كثير من رجال الأعمال والشركات إدراج شرط التحكيم في عقودهم التجارية، وذلك للأسباب التالية:
.
| وجه المقارنة | التحكيم التجاري | التقاضي أمام المحاكم |
|---|---|---|
| سرعة الفصل في النزاع | أسرع نسبيًا | قد يستغرق وقتًا أطول |
| السرية | تتم الإجراءات بسرية | قد تكون الجلسات علنية وفقًا للنظام |
| اختيار من يفصل في النزاع | يختار الأطراف المحكم أو هيئة التحكيم | تعين المحكمة القاضي المختص |
| مرونة الإجراءات | يمكن للأطراف الاتفاق على كثير من الإجراءات | تخضع لإجراءات نظامية محددة |
| الطعن في القرار | يقتصر غالبًا على دعوى البطلان في حالات محددة | تتوفر درجات التقاضي وفقًا للنظام |
| مناسب لـ | المنازعات التجارية والعقود الاستثمارية | مختلف أنواع المنازعات وفق الاختصاص القضائي |
- السرعة النسبية: يفصل التحكيم في النزاع في بعض الحالات أسرع من التقاضي التقليدي.
- السرية: لا يُنشر أحد وقائع التحكيم، على عكس بعض الدعاوى القضائية.
- حرية اختيار المحكمين: يختار الأطراف محكمين من ذوي الخبرة الفنية أو القانونية في مجال النزاع.
- مرونة الإجراءات: يحدد الأطراف إجراءات التحكيم باتفاقهم.
- حجية الحكم النهائي: لا يقبل الحكم الطعن العادي، مما يقلل من إطالة أمد النزاع.
في المقابل، عليكم أن تدركوا أن التحكيم قد لا يكون الخيار الأمثل في جميع الحالات. فقد لا يناسب المنازعات البسيطة أو محدودة القيمة. وقد لا يناسب حين يحتاج أحد الأطراف إجراءات تحفظية سريعة. لذلك، نفضّل أن نقيّم كل حالة على حدة بمساعدة مختص.
دور المحامي المختص في قضايا التحكيم التجاري
الأسئلة الشائعة (FAQ)
هل حكم التحكيم في السعودية نهائي ولا يقبل الاستئناف؟
نعم. فالأصل أن حكم التحكيم الصادر وفقًا لنظام التحكيم السعودي لا يقبل الطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن العادية كالاستئناف. ويترك النظام طريقًا واحدًا فقط، وهو رفع دعوى بطلان حكم التحكيم خلال المدة النظامية، وللأسباب الحصرية التي حددها النظام فقط.
ما هي المدة النظامية لرفع دعوى بطلان حكم التحكيم؟
حدد نظام التحكيم مدة 60 يومًا لرفع دعوى بطلان حكم التحكيم. وتبدأ هذه المدة من تاريخ إبلاغ الطرف المعني بالحكم.
هل يجوز التحكيم في المنازعات مع الجهات الحكومية؟
لا يجوز للجهات الحكومية أن تتفق على التحكيم إلا بعد أن تحصل على موافقة رئيس مجلس الوزراء. ويُستثنى من ذلك أن يوجد نص نظامي خاص يجيز التحكيم دون الحاجة لهذه الموافقة.
ما الفرق بين التحكيم والتقاضي أمام المحاكم العادية؟
يتميز التحكيم بالسرعة النسبية والسرية ومرونة الإجراءات وحرية اختيار المحكمين. بينما تتيح المحاكم العادية درجات تقاضٍ متعددة، كالاستئناف، وهو ما لا يتوفر عادة في التحكيم إلا عبر دعوى البطلان في حدود ضيقة. ويعتمد اختيار الوسيلة الأنسب على طبيعة النزاع وظروف كل حالة.
هل يشترط أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبًا؟
نعم. يشترط نظام التحكيم أن يكتب الأطراف اتفاق التحكيم حتى ينتج آثاره النظامية. ويستوي في ذلك أن يردوه كشرط ضمن العقد الأصلي، أو في صورة مشارطة تحكيم مستقلة.
كم عدد المحكمين الذي يجب أن تتشكل منه هيئة التحكيم؟
يجب أن تتشكل هيئة التحكيم من عدد فردي من المحكمين، محكم واحد أو ثلاثة عادة. وإلا وقع التحكيم باطلًا وفقًا لصريح نص النظام.
الخاتمة
يمنحكم نظام التحكيم السعودي إطارًا نظاميًا متطورًا يواكب أفضل الممارسات الدولية. ويراعي هذا النظام في الوقت ذاته خصوصية الشريعة الإسلامية والنظام العام في المملكة. لذلك، يمنح الأطراف التجارية وسيلة فعالة وسريعة نسبيًا لفض منازعاتهم بعيدًا عن التقاضي التقليدي. ومع ذلك، يبدأ نجاح مسار التحكيم من صياغة سليمة لاتفاق التحكيم. ويمر بعدها عبر إجراءات دقيقة يجب أن تلتزموا بها، لتتفادوا الطعن بالبطلان لاحقًا.
إذا كنتم بصدد صياغة عقد يتضمن شرط تحكيم، أو كنتم طرفًا في نزاع تحكيمي قائم وتحتاجون إلى تمثيل قانوني متخصص، فإن شركة المحامي رامي آل دعشوش للمحاماة والاستشارات القانونية على استعداد لتقديم الاستشارة والمتابعة اللازمة لحماية حقوقكم. فلا تترددوا في التواصل معنا.









